لنعرِّف الإيمان الديني .. ماهو ؟ هو ببساطة عاطفة تحتضن فكرة مقدسة حيال غيب مقدس يحتوي على "جميع أسرار الوجود" وبين الغيب والقلب ، سلسلة من الوسائط المقدسة ..هو عمليا سُلّم تشتد قداسته اكثر فأكثر تصاعدا من الأدنى للأعلى ،وهو من الأعلى للأدنى .. وحي ، نبي ، كتاب، دعاة ،خلفاء ،أإمة ،علماء ،فقهاء ،أحبار، ربابنة، شامانيين ،كهنة ،بطاركة ،شيوخ . ثم تعاليم وشروح وتفسيرات وتأويلات وفتاوى واجتهادات لا تحصى .. هكذا ملايين ومليردات من البشر تعيش ألف عام، وألفي عام ،وثلاثة آلاف وخمسمئة عام ،وأربعة آلاف .. ومليون عام ..وقد أقفل كل من أتبع دينه على قلبه وألقى المفتاح بعيدا وارتاح من هم البحث عن الحقيقة .. ولماذا البحث وتعب البحث ولكل طريق جاهز معبّد للسعادة في الجنة والملكوت ،أو للعذاب في الجحيم والهلاك ..؟ ولماذا يكون الإيمان الديني لعنة .. وعلى مَن ؟ طبعا معروفة هي الاختلافات الأساسية بين الديانات المعروفة ، واللعنة – مبدئيا - ليس في الاختلافات التي لا ضرر منها على صاحب الإيمان بها وعلى سواه من خارج قاعدته ونصرته ،لكن خطرها القائم والمحقق والمؤكد تاريخيا في تحويل الاختلاف لمحاسبة ثم لتكفير ثم لصدام ثم لذبح ومجازر .. وكم ارتكبت جرائم ومذابح وإهانات للبشر ،ولا تزال ترتكب باسم الدين ،و من وراء الدفاع عن حقوق الله على الأرض ،وكأن الله سبحانه يحتاج الى دفاع عن النفس والى من يدافع عنه ! هذا إذا كانت له حقوق مهضومة من قبل أحد من البشر ،فإذا كانت لله حقوقا علينا فهي في معرفته وفي تحقيق الصلة به يقينا لا إيمانا وحسب ،وإلا فالندعه وشأنه ،فالذي تعتقدوه ليس هو دين الله الذي يدين به لنفسه .. فهو الغني عنكم جميعا يا من حولتم بإيماناتكم الظلامية التعصبية سلسلة الوسائط بينكم وبين الله ،من سلم صعود وعروج وارتقاء ،الى حُجُب وأغطية وحواجز واصنام تشتعل فيها نيران الغربة والبعد والشقاء،وحولتموها الى شباك صيد وحيلة وغنيمة واعتداء .. وهو الغني عن كل شيء ..نعم هو الغني عنكم وعن كل شيء ،وهذا تعرفوه وترددوه وتفعلوا عكسه جميعكم .. والخطر من الإيمان بأن أعتقد ان "ديني" هو الأفضل والأقدس ،ويجب ان يسود على الجميع وإلا فهو باطل ! بينما الباطل هو في هذا الاعتقاد نفسه ،ليس فقط لعدم استيعابي لنسبية الصلة بالله من جهتي كانسان- حيث جعل لكل سبيلا اليه في نفسه ومن نفسه - بل لافتراضي وفرضي هذه النسبة الاعتقادية كمطلق يخص الجميع ويلائم الجميع أسوة ..الخطر مرة أخرى وبصورة أخرى في هذا "البتنتسيال" التاريخي الفردي والجمعي، كمكنة غير مستنفدة لجميع اتباع الديانات ،بأن الدين هو الدينونة وهي بيدي ولدي فيها ما يبرر لي ان احاسب واعاقب – سواء – من هم من بني ديني ومذهبي ، أو من خارج . بينما في الحقيقة ليس لي ولا لأحد ان يناقش ويجادل في أي الاعتقادات أصدق وأحق ،وفيمن له الحق باحتكار الحقيقة واخذ الصلاحية حكما وحسما بناء على مظاهر رؤيته واعتقاده ..انه نزاع الغيب في الليلة الظلماء يسيطر على عقول وقلوب المؤمنين (دون شروق الشمس). وظني لو جلس الأنبياء والرسل والملائكة الكرام حول دائرة مستديرة جيلا آخرا للبشرية ،لن يحلوا الخلاف الواقع بين اتباعهم كما يبدو ،لأن الاعتقاد الديني الظلامي الراسخ ،أصلب واقسى واشد من كل انواع الصخور البزلتية والمعادن المقواه بالماء والنار .والدليل ان كثير من الأنبياء والدعاة والزعماء الروحيين الصالحين ،قتلوا على أيدي أبناء دينهم ،أو قومهم من سقراط حتى جنبلاط ،مرورا بيسوع وعمر وعلي وغاندي وسواهم ،بسبب موقف عقائدي تعصبي ،بلغ من الشر ذروته في الاعتداء عليهم ممن دافعوا عنهم، ربما الى لحظات قليلة من اتخاذ القرار بقتلهم .. والمهم والغريب ،ان في جميع الديانات المعروفة ما هو انساني ايجابي شامل ،ويصلح دستورا ابديا للبشرية جمعاء ،وفي جميعها ما يتعارض وهذا ،ان لم نقل يتناقض .. لن آتي بأمثلة من لدن هذا الدين أو ذاك ،تلافيا لهجوم كاسح عليّ وعلى أصلي يودي بنا لأدنى دركات النار – حيث بدون ذلك "مُعتبر" في عداد "المستحقين" من قبل بعض جماعتي "الدينيين" قبل غيرهم - ففى الوقت الذي اجد في "عقيدتي" ما يوجب عليّ مساواة الآخرين من ديانات أخرى بنفسي ،أجد ما يفرض عليّ نكرانهم أو نبذهم أو سلبهم أو لعنهم وسبهم ، والاستعلاء عليهم ، ان اعتبرهم "غوييم" أجانب ،غرباء ،والأسوأ كفار ضالين هراطقة زنادقة ملحدين يستوجبون الخلود في العذاب .. بعد كل ذلك يذهب كل منا لمعبده يصلي رجاء مرضاة الله وتقربا إليه بأحر وأصدق دعاء .! كيف بربكم يصح هذا اخوتي من كل مذهب ودين ؟! والله والله انه لبريء منكم جميعًا ،وان أكبر جرائمكم ضد الله وضد انفسكم هو ايمانكم به على النحو التاريخي المعروف .وانكم لن تحققوا مرضاته ما لم تعرفوه ،ولن تعرفوه ما لم تعرفوا انفسكم كأصفار بين يديه .. أليس هو الواحد الأحد وبيده الأمر من قبل ومن بعد ..! أقول : خير لكم ان تكتشفوا انكم لا شيء في ظل الحقيقة ،وهي حقيقة ، من ان تعتقدوا انكم كل شيء فيها ،وأنتم لا شيء منها.