نعم ابحث عن رجال دين فهل اجدهم ..؟ رجال دين لا يكفّرون من خالفهم في توجهه الى الله ، ولا يضمرون له التعالي والتكفير ،حين لا يضر احد هذا التوجه .. ابحث عن رجال دين من كل المذاهب والفرق والمدارس والاديان . يستطيعون الخروج من هياكلهم المختلفة ومن مظاهرهم ومن نصوصهم وجهاتهم ودروبهم، ومن جدران معابدهم .. رجال دين يستطيعون التفكير والنظر خارج قوالب معتقداتهم ،باعتبار السماء التي ينظرون ،او لا ينظرن اليها ،غير محدودة وليست بحدود معتقداتهم ..ابحث عن رجال دين ، يستطيعون ان يروا انفسم ويروا الآخرين بلا عمامة ولا جبة ، بلا كيبة ولا قبعة ولا ثوب اسود .. رجال دين يعرفون الله .. ولا يرون فقط كل ما يحول بينهم وبينه .. رجال دين يدخلون معابدهم من الله وليس العكس ،لأنهم مع العكس لن يجدوا سوى انفسهم مع حجارتها ..
اجل اتوق الى لقاء رجال دين من هذا النوع الاول .. فاهدني اليهم يا هداك الله ورعاك .. اقول هذا واني لمعتقد بوجودهم بين ظهرانيّ جميع المذاهب والاديان ،كاسبينوزا بين اليهود ، وكالحلاج بين المسلمين ،وكجبران بين المسيحيين ..ليسوا بالضرورة معروفين أو مبدعين كهؤلاء .. واقول هذا واني لعارف بأني اقلكم جميعا يا قارئي وسامعي هذا الكلام .. ان القعر ليشعر بالثقل وهو يريد الخلاص ،وأقل منه التنفيس .. ولا ترضى النفس بعلاج "الاعشاب" وجمر الفرقة في القبضة وفي الدماء .. اجل عندما يتحول الايمان بحفنة من كلمات "منزلة" الى نور يخترق الحجب الحائلة بينك وبين الحقيقة، ومن حفظ لبعض مصطلحات "مقدسة "الى حب يحطم القيود دونها،يمكن ان تصبح رجل دين .. عندما يتحول همك من همّ حفظ وصيانة للمظهر واللباس الخارجي ،الى همّ تعرية للذات من الصفات في الداخل، تكون رجل دين .. عندما تكف عن نصب الميزان للآخرين ومحاسبتهم ،دنيا وآخرة ، أو ظن السوء فيهم بمجرد اختلافهم في التعبير وفي الظهور ، تكون رجل دين .. عندما تكف عن الاعتقاد والقول : هذا يستحق الرحمة وذاك لا ،الى الاعتقاد والقول : نحن جميعا بحاجة الى رحمتك يا ارحم الراحمين ، حينذاك تكون رجل دين ..
وفي التوحيد :
عندما تكشف اننا في عالم نسبي وعالم تضاد ، وان المُدرِك لهذا الاختلاف والتضاد هو عين الواحد في الكل، حينذاك تكون موحد ،وإلا فأنت ناظر الى العالم والى الله من عالم التضاد ،وأنت واقع في شَرَك الشِرك الخفي ..عندما تدرك ان التوحيد هو للنفس بالمعرفة التحقيقية ، بالنظر والتأمل في أعراضها وجوهرها ،وليس التوحيد هو توحيد الله القابع خارج الكون كصورة اعتقادية مجردة ، لانه دائما هو واحد احد ،وانت دائما كثرة متضاددة ، حتى تراه ،فيسقط الحاجز الوهمي وتنتفي الكثرة والتضاد فتتوحد ، حينذاك تكون موحد ... الوحدة لا في ان تعتزل جسديا المجتمع ،وتغرق فكريا ونفسيا في همومه واحقاده ورغباته ،بل الوحدة في ان تنظر بعين الواحد اينما وُجدتَ . اما الزهد فليس هو في التجويع البيلوجي وفي النحالة الجسدية ،فعارضوا وعارضات الازياء يفعلون ذلك ايضا ..! انما الزهد هو تجنب التفكير السيء ،والتطلع الى الذات الجوهري ..وبالمرة فإن التمييز الباطني بين الذات الحقيقي فينا وبين الأنا المادي الشخصي ،يجعلنا نكف عن نسب السلوك الطبيعي الخالص الى الذات ،بل نراه يعود تلقائيا الى الطبيعة ،وبهذا نعرف اننا نعمل ولا نعمل في آن ،كالجالس في مركبة تتحرك به وهو فيها ساكن مُميِّز لذاته عنها، دون ان نحتاج الى التعذيب النفسي والجسدي غير المجدي، كما يفعل الزهاد غير العارفين في كل الاديان .. ابحث عن رجال دين لا يرون في العلوم والفنون الانسانية كفرا وعيبا اخلاقيا متعارضا ورضى الله ،بل تجليات متنوعة لجلاله وجماله ..ابحث عن رجال دين يدركون ان السلبيات والعيوب والخطايا والآثام هي في النفوس ، في المواقف الاعتقادية السلبية التي يتخذها المرء من نفسه ومن الاشياء ،وليست هي في الاشياء ذاتها ،فلا يوجد نجاسة وشر في الموضوعات المُدرَكة ، وانما هي حالاتنا الذهنية والاعتقادية والمزاجية والحسية تجاهها .. ابحث عن رجال دين يقضون وقتهم في المراقبة والمحاسبة لأنفسهم ،وليس في احتفالات اللوز والعسل والجوز والقيل والقال . ابحث عن رجال دين يبحثون عن الحقيقة التي هي الله، لا عن الجنة والراحة والدعة ،غير الموجودة الا في البحث والشوق نفسه والايجاد .
ابحث عن رجال دين يدركون انه لا توجد عيوب في استخدام الانترنت وسائر وسائل التوصيل والاتصال ،بل في خطأ استعمالها ،فهي كأدوات المطبخ من سكاكين ونار وجدت لتحضير الطعام ،لكن من يستخدمها للتعدي والتخريب والانتحار ،لا يمكن تحميل تلك الادوات المسؤولية ونسبة الشر لها .. ابحث عن رجال دين يعرفون ان القتل والزنا ليس فقط في الممارسة الجسدية ،بل هي ربما اسوأ في الممارسة النفسية كاشتهاءات وحسد واحقاد وأطماع .. ابحث عن رجال دين يدركون ان التوبة ليس مجرد اعترافا بارتكاب الخطايا وبتغيير الزي .. بل هي ممارسة يومية تطهيرية ،لأن الخطيئة ليس فعل ماضٍ وانتهى ،بل تراكم مستمر في الفكر والشعور من مؤثرات مختلفة ،كالمطر على زجاج السيارة يحتاج الى تشغيل المساحات طالما هو في هطول ،فأنت دائما تقيم في جدل الاضداد ،ما بين جذب وانسحاب حاد كثيف أو خفيف لطيف ، حتى يأت الحال فيهدأ البال .. ابحث عن رجال دين يدركون في (النهاية) ان كل فكرة وكل كلمة في الجوهر "منترة" مقدسة ،وكل صورة هي صورة الحقيقة ذاتها ..والكون بما فيه ،معبد واحد ذات اقسام واجنحة مختلفة لكل الأمم والشعوب .